إكرام البدوي: تجربة الكرد في تمكين المرأة نموذج غني بالتفاصيل والدروس

واقع صعب تعيشه المرأة في الشرق الأوسط، لكن هناك بصيص أمل يتجسد في تجربة المرأة الكردية، التي عبرت عن أهمية المرأة ودورها في المجتمع.

الدكتورة إكرام البدوي واحدة من الباحثات والكاتبات المصريات المهتمة بشؤون المرأة، اهتمام ترجمته عبر كتبها وأبحاثها، مثل "الخطاب النسوي في العالم" و"الفلسفة السياسية النسوية"، فقد كانت صاحبة رؤية فلسفية لا سيما وأنها حاصلة على الدكتوراة عام 2021 في الفلسفة، ولهذا كانت صاحبة تحليل له طابع مختلف عن المرأة وواقعها.

وكالة فرات للأنباء (ANF) تحدثت مع الدكتورة إكرام البدوي حديثاً شاملاً حول تجربتها الشخصية في الكتابة عن المرأة، ومنها جرى الحديث عن تجربة المرأة في الشرق الأوسط، وأهم التحديات التي تواجهها، ومنها جرى التطرق إلى تجربة المرأة الكردية، حيث أبدت إعجابها بها وبالاهتمام الذي تحظى به.... وإلى نص الحوار:

*بداية، كيف جاء اهتمامك بالكتابة عن المرأة ولماذا؟

- أودّ أن أشير إلى أنّ اهتمامي بالمرأة والكتابة عنها لم ينشأ فجأة أو من فراغ؛ بل نبع من تأمّل نقديّ عميق في واقعنا الاجتماعيّ والسياسيّ والفكريّ. وقد تجسّد هذا التأمّل في عمليّ البحثيّ الذي أسفر عن إصدار كتابين أساسيّين بالنسبة إليّ؛ الأوّل هو "الخطاب النسوي في العالم الثالث: دراسة ثقافية مقارنة"، والآخر "الفلسفة السياسية النسوية: تاريخ من العدالة المراوغة". حاولتُ في هذين العملين الربط بين الرؤية النقدية والثقافية من ناحية، وفلسفة العدالة والمفاهيم السياسيّة من ناحية أخرى، بقصد الإجابة عن تساؤلاتٍ لطالما شغلتني حول المرأة، والعدالة، والهُوية، والسلطة.

والحقيقة حين يسألني أحدهم: "لماذا اهتممتِ بالكتابة عن المرأة؟" تبرز في ذهني إجابتان مترابطتان: الأُولى أنّني امرأةٌ من هذا العالم نشأتُ وتشكّلت وعيًا في خِضَمِّ تراثٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ لا يسعني الانفكاك عنه؛ والثانية أنّني، بوصفِي كاتبةً وباحثةً، آثرتُ أن أشتغل على هذا الإرث، مستلهمةً منه نقاط القوّة التي يمكن البناء عليها، وفي الوقت نفسه، ناقدةً النقاط التي جعلت المرأة أسيرةً لمنظومةٍ سعت –بوعيٍ أو بغير وعي– إلى رسم حدودٍ لدورها.

أحملُ إرثَ هذا المجتمعِ ليس من قبيل الاضطرار فحسب، بل من باب الإيمان بأنّ الانتماء للواقع شرطٌ لفهمه وتغييره. لسنا نعوم في فراغٍ فكريٍّ أو نعيش على هامش الزمان، بل نتوارث قيمًا وعاداتٍ وتقاليدَ ترتبط بالعلاقات الأُسَريّة والمجتمعيّة، فتتشكّل عبرها هوية المرأة وتضاريسها النفسيّة والثقافيّة. وكوني امرأةً يعني أنّني أواجه تحدياتٍ مشابهة لتلك التي واجهتها أمهاتنا وجدّاتنا في حقبٍ تاريخيةٍ متعاقبة؛ صحيحٌ أنّ الأزمنة تغيّرت، لكنّ ذلك الميراث ما زال يحفر مجراه في وعينا وسلوكنا.

*إذن تجربتك الخاصة كان لها دوراً مهماً..

- في ضوء ما أشرت إليه يستحيل عليّ ألّا ألتفت لتجربتي الخاصّة في الحياة وأنا أكتب أو أبحث أو أتساءل؛ فالتساؤل حول قضايا المرأة ليس أمرًا نابعًا من "ترفٍ فكريّ" أو بدافع "الموضة الثقافيّة"، بل هو تصالحٌ مع الذات: محاولةٌ لإدراك مواطن القوّة والضعف، وكيف أنتقلُ من دور المتلقّية إلى دور الفاعلة. إنّ تراثنا ليس سجنًا مؤبّدًا، بل خزانةٌ ضخمة يختلط فيها النّافِع بالمحدود، والمضيء بالعَتمة. ومن مسؤوليّتنا –نساءً ورجالًا– أن نُعمِل العقل والنقد في هذا التراث، لا من أجل أن ننفصل عنه، بل لنفهمه أوّلًا، ثم نجتهد في تطويره نحو آفاقٍ أكثر اتزانًا وإنسانيّة. وعليه، كان اختياري الكتابة عن المرأة وعيًا مزدوجًا.

*كيف كان وعيًا مزدوجًا؟

- أي وعيٌ بأنّني وريثةٌ لثقافةٍ أترك فيها بصمتي، ووعيٌ آخر بأنّ الطريق إلى تحرير المرأة يبدأ من استنطاق واقعها، والكشف عن معيقات تقدّمها، واستدعاء الأصوات التي أبتْ الصمت، لتقول بوضوحٍ إنّ المرأة –في أيّة بقعةٍ من العالم– تمتلك المفاتيح لمشاركةٍ واعيةٍ في الحضارة الإنسانيّة إن أُتيح لها المجال، أو إن كسرت هي ذاتها الأبواب المؤصدة. هذه الرحلة ليست مسارًا مغلقًا، بل هي مشروعٌ يمتد بتواصلٍ مع الأخريات والآخرين، من أجل إعادة تشكيل المنظومة القيميّة والاجتماعيّة على نحوٍ أكثر عدلًا واتّساعًا. هكذا تولدُ الكتابةُ عن المرأة عندي: التقاءٌ بين واقعٍ أعيشه وتراثٍ أحمله، وبين أفقٍ أتطلع إلى أن تتجاوز فيه المرأة الحدود المصنوعة حول وجودها، وتنطلق مواطنةً حرّةً بالكامل في عالمٍ ينفتح أمامها دون أن تُلقى في وجهها عقبات جنسها أو هويّتها.

*كيف انعكس ذلك على أعمالك وكتاباتك؟

- منذ لحظة انشغالي بالخطاب النسوي، شعرتُ أنّ دراسة قضايا المرأة هي استجابة لأسئلةٍ عميقة حول موقعها في التاريخ، وحول الأشكال المختلفة للهيمنة التي تواجهها. لذلك، حين بدأتُ بتأليف "الخطاب النسوي في العالم الثالث"، حرصتُ على تخطّي السرد التاريخيّ البسيط أو العرض المحدود للوقائع، وتبنّيتُ منهجًا مقارِنًا بين نسويات العالم العربي، وجنوب آسيا، وأمريكا اللاتينية. وقد لاحظتُ أنّ هذه الحركات النسويّة، على اختلاف انتماءاتها الثقافيّة والدينيّة، تتلاقى في نضالها ضد سلطاتٍ أبويةٍ أو ضد بقايا الاستعمار والطبقيّة. وهذا ما دفعني للتفكير في سياقاتٍ أشمل، وتفكيك المنظومات السياسيّة والاجتماعيّة الخاصة بكل تجربة بدل الاكتفاء بقراءة جزئيّة. وعندما شرعتُ في تأليف كتاب "الفلسفة السياسية النسوية: تاريخ من العدالة المراوغة"، وجدتُ أنّه من الضروريّ التوغّل في جذور الفكر السياسيّ الكلاسيكيّ، لاكتشاف كيف تمّ تصوير المرأة على أنّها "آخر" أو كيان تابع. واقترحت ما أسميه "بالمراوغة"، وهي تراكماتٌ فلسفيةٌ ودينيةٌ وقانونيةٌ سمحت باستمرار النظرة التي تقلّل من أهلية المرأة ودورها، حتى بعد حركات الإصلاح والتنوير.

*وبالتأكيد هذا انعكس على منهاجيتك، أليس كذلك؟

- بالفعل، قادني هذا التعمّق إلى منهجٍ تكامليّ يجمع بين تحليل الخطاب الثقافيّ من جهة، ودراسة فلسفة العدالة من جهةٍ أخرى. فقد تبيّن لي أنّ من يختزل تمكين المرأة في إطارٍ ثقافيّ وتراثيّ فقط، أو يكتفي بالمقابل بمنظورٍ قانونيّ وسياسيّ بحت، سيفقد جانبًا مهمًّا من المشكلة. إنّ أيّ محاولة لتصويب أوضاع المرأة لن تكون ناجحة إن لم تفكّك جذور الخطاب الأبويّ وتضعه في سياقه التاريخيّ، وإن لم تدرِج المرأة بوصفها طرفًا أساسيًّا في تشكيل القوانين والمؤسسات. ومن هنا، جاءت تجربتي البحثيّة في "الخطاب النسوي في العالم الثالث" و"الفلسفة السياسية النسوية" ليؤكد لي أنّ المرأة ليست قضيّةً منفصلةً عن الديمقراطية أو حقوق الإنسان، بل هي في قلب هذه المسائل. إنّها نقطة تماسٍ تفصح عن مدى نضج الثقافة والمؤسسات في مجتمعٍ ما، وعن الطريقة التي يجري بها تأويل العدالة نفسها. لذا، أرى الكتابة عن المرأة مشروعًا نقديًا واسعًا، يتحدى البنى الفكريّة والأنظمة الاجتماعية التي كرّست التفاوت التاريخيّ بين الجنسين، ويُبرز دور المرأة كركيزةٍ حضاريّةٍ تستمرّ في إعادة اكتشاف ذاتها في ظل مسارٍ لا ينقطع من البحث والنضال.

*ماذا عن رؤيتك لواقع المرأة في الشرق الأوسط؟

- ينطوي واقع المرأة في الشرق الأوسط على تناقضات حادّة تكشف عن مسارٍ تاريخيٍّ معقّد، فقد شهدت بعض بلدان المنطقة إنجازات حقيقيّة في مجالات التعليم والعمل وحتّى التمثيل السياسيّ، في حين ما تزال المرأة في بلدانٍ أخرى تعيش تحت قيودٍ اجتماعيّةٍ ودينيّةٍ متصلّبة تُصعِّب عليها مجرّد الحصول على حقوقٍ أساسيّة. ويعود هذا التفاوت، في جزءٍ كبير منه، إلى تفاعل العناصر الاقتصاديّة والسياسيّة، وميراث ما بعد الاستعمار الذي ترك منظوماتٍ قانونيّةٍ وإداريّةٍ هَشّة، تحكمها أحيانًا أفكارٌ تقليديّةٌ جعلت من المرأة موضوعًا للنقاش أكثر من كونها طرفًا فاعلًا.

*ما أبرز مظاهر ذلك؟

- لعلّ أبرز مظاهر هذا الواقع الاشتباك الحاصل بين الإرث الثقافيّ والمحاولات التحديثيّة؛ إذ لا يمكن فصل النظرة إلى المرأة عن السياقات التاريخيّة التي جعلت "الأبويّة" و"العرف الاجتماعيّ" أقوى من بعض التشريعات القُطريّة الحديثة. ففي الوقت الذي سنّت فيه بعض الدول العربيّة قوانين جديدة تحمي المرأة من العنف الأسريّ وتكفل لها نصيبًا أكبر في التعليم وسوق العمل، ما تزال الممارسات على الأرض تصطدم بنظامٍ عُرفيٍّ متجذّرٍ في الوعي الجمعيّ، لا يقبل بسهولةٍ بتغيّر الأدوار التقليديّة. كما يبرز البُعد السياسيّ بأشكالٍ متعدّدة؛ إذ تلجأ بعض النُظُم إلى خطابٍ "تقدّميٍّ" عن المرأة من أجل تحسين صورتها الدوليّة، فيما يُبقي الواقع الداخليّ المرأة على هامش عمليّة صنع القرار.

ومع ذلك، فإنّ العقد الأخير حمل تحوّلات بارزة؛ إذ أسهمت وسائل التواصل الاجتماعيّ والموجة النسويّة الرابعة في إحداث حراكٍ واعٍ بقضايا كثيرة، مثل التحرّش والتمييز في الوظائف والعنف الأُسريّ، فخرجت نساءٌ شجاعات ليكشفن عن معاناتهنّ ويفضحْنها علنًا. هذا الحراك الرقميّ ساعد في تفكيك بعض المسكوت عنه، وفتح الطريق أمام حواراتٍ أكثر جرأة. ومع توسّع دور المرأة في قطاعاتٍ اقتصاديّةٍ وثقافيّةٍ جديدة، نلحظ أنّ "الثابت" في بنية المجتمع الشرقيّ بدأ يهتز لصالح رؤًى تسمح بشراكةٍ أوسع بين المرأة والرجل، وإن كان الطريق طويلًا ومليئًا بالتحدّيات.

*هل واقع المرأة في الشرق الأوسط عبر عن إشكاليات هذه المنطقة وتوتراتها؟

- يمكن القول إنّ واقع المرأة في الشرق الأوسط هو مرآةٌ صادقةٌ للتوتّرات التي تعيشها المنطقة برمّتها، بين الإرث التقليديّ وثقافة العولمة، وبين السلطويّة السياسيّة ومطالب التحرّر الاجتماعيّ. ورغم تراجع بعض مكاسب المرأة في بيئاتٍ مضطربةٍ تشهد حروبًا أو انهيارًا اقتصاديًّا، تبقى فرصة التغيير قائمةً بفضل جيلٍ جديدٍ من النساء المثقّفات والناشطات، الساعيات إلى ربط قضايا المرأة بقضايا الديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة، حيث يشكّلن طليعةً للمطالبة بمجتمعاتٍ يعلو فيها صوت المواطنة على أيّ صفةٍ أخرى.

*كيف ترين تجربة المرأة الكردية؟

- تبدو تجربة الكرد في تمكين المرأة لافتةً للنظر؛ إذ إنها تسير في خطٍّ موازٍ للنضال القوميّ والسياسيّ، ما أتاح للمرأة الكرديّة مساحةً أوسع من المعتاد في مجتمعاتٍ أُخرى بالمنطقة. ففي حالاتٍ كثيرة، انخرطت المرأة في الحراك السياسيّ والاجتماعيّ كجزءٍ لا يتجزأ من مطلب التحرّر الكرديّ العام، سواءً بمشاركتها في الهيئات المدنيّة أو في الكفاح المسلّح الذي أبرز صورة "المرأة المقاتلة" على نطاقٍ عالميّ. هذه المشاركة الواسعة غيّرت نظرة المجتمع –محليًا ودوليًا– إلى قدرات المرأة الكرديّة وأهميّة دورها.

*لو تحدثنا عن أبعادُ تمكين المرأة الكردية ودوافعه، ماذا تقولين؟

- ارتبطت دوافع تمكين المرأة الكردية بأبعاد مختلفة، منها الهوية القومية، حيث شكّل النضال القومي الكرديّ دافعًا لتعزيز انخراط النساء؛ إذ أدركت التيارات السياسية الكردية أنّ نجاح أيّ مشروعٍ تحرّريّ مرتبطٌ بتوحيد جميع الطاقات، بما فيها النساء، بوصفهنّ نصف المجتمع. أيضاً البنية الثقافية والاجتماعية، فرغم أنّ المجتمع الكردي تاريخيًا لا يخلو من النزعات الأبويّة، فإنّ تصاعد الحركات اليساريّة والمتبنّية لفكرٍ تقدّميّ سهّل عملية مراجعة العادات والتقاليد الداخلية، فبرزت مبادراتٌ تهدف إلى إدماج المرأة في المجال العامّ وتطوير البنى القانونيّة لحمايتها.

*ماذا عن القوانين والمؤسسات؟

- تؤكّد التجربة الكرديّة على ضرورة سنّ تشريعاتٍ صريحة لحماية حقوق المرأة، وملاحقة مرتكبي العنف ضدّها، وضمان حضورها في المجالس المحليّة والبرلمانات –إن وجدت– بهدف إدماجها في صناعة القرار. هذا الجهد التشريعيّ نجح في بعض المناطق الكردية أكثر من غيرها، بناءً على اختلاف الظروف السياسيّة ونسبة الاستقرار الأمنيّ. ولكن، يظلّ وجود مؤسّساتٍ تملك سلطةً حقيقية أمرًا ضروريًّا لتطبيق القوانين وعدم تحوّلها إلى شعاراتٍ فقط.

*ما التحدّيات الراهنة التي تواجه المرأة الكردية وفق رؤيتك؟

- التحديات عديدة، أولها استمرار النزاع، حيث تتعرّض مناطق كرديّة كثيرة لظروفٍ أمنيّةٍ معقّدة، ما يعرقل استمرار مشروعات تمكين المرأة. فالحروب والنزاعات المسلحة تُجبر المجتمعات على تقديم الأولويّة للأمن والعسكرة، أحيانًا على حساب التنمية الاجتماعيّة. أيضاً هناك تحد ثاني يرتبط بازدواجية المعايير، حيث تستخدم بعض الأطراف السياسيّة "قضية المرأة" لأغراضٍ دعائيّة، بحيث لا ينعكس دعم حقوقها حقيقيًا في القوانين والممارسات على المدى الطويل. أيضاً إعادة إنتاج الأبوية، حيث يُطرح تساؤل مهمّ حول مدى صمود مكتسبات المرأة الكرديّة في حال تمكّن المجتمع الكرديّ من تحقيق استقلالٍ أو حكمٍ ذاتيّ مستقرّ. هل سيعاد توزيع الأدوار التقليديّة لاحقًا ويُهمَّش دور المرأة، أم ستتواصل مسيرة التمكين؟

*لو نتحدث عن آفاق المستقبل بالنسبة لتجربة المرأة الكردية، ماذا تقولين؟

- يرتبط تقدّم المرأة الكرديّة في المنطقة بقدرة المؤسسات المدنيّة على تكريس مكاسبها قانونيًا ومجتمعيًا، فضلًا عن توسيع فرص التعليم والتدريب والاستقلال الاقتصاديّ. كما أنّ استمرار انخراط المرأة في المنظّمات السياسيّة والثقافيّة يضمن أنّ دورها لن يتلاشى بمجرد تغيّر الأوضاع السياسية والأمنية. وبذلك، تمثّل تجربة الكرد في تمكين المرأة نموذجًا غنيًا بالتفاصيل والدروس؛ فقد استطاعوا، في خضمّ نضالٍ قوميٍّ معقد، دمج النساء بوصفهنّ مكوّنًا أساسيًّا من مكوّنات الحراك العام. ورغم الصعوبات الميدانيّة والضغوط السياسيّة، فقد برهنت المرأة الكرديّة على قدرتها الكبيرة في العمل الجماعيّ وصناعة القرار والدفاع عن الهوية والثقافة، بحيث أصبحت رمزًا لأيّ حركةٍ نسويّةٍ في المنطقة تسعى للخروج من قبضة المنظومة الأبويّة الصارمة. ومع ذلك، تبقى التحدّيات المتعلقة بالاستقرار وحماية المكتسبات الحقيقيّة قائمة، ممّا يفرض استمرار العمل على تعزيز المؤسّسات والقوانين وتوسيع رقعة الوعي الجماعيّ حول أهميّة دور المرأة في بناء مجتمعٍ متطوّرٍ وعادل.

*أخيرًا، ما الذي نحتاجه للنهوض بالمرأة في الشرق الأوسط؟

- إنّ النهوض بالمرأة في الشرق الأوسط ليس قضيّةً منفصلة عن واقع المجتمعات وتحدّياتها، بل يمثّل محورًا جوهريًّا في حركة التنمية والإصلاح الشامل. فلا يمكن عزل حقوق المرأة وتمكينها عن مجمل قضايا الديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة؛ إذ تصبح مشاركة النساء في الحياة العامّة مقياسًا صادقًا لمدى التحوّل الإيجابي في بنى المجتمع وسياساته. ومن أجل تحقيق تقدّم حقيقيّ، لا بدّ من توفّر إرادةٍ سياسيّةٍ وتشريعيّةٍ واضحة، تسنّ قوانين تضمن حقّ المرأة في التعلّم والعمل وتكافؤ الفرص، ثم تتابع تطبيقها على أرض الواقع بحزمٍ يحول دون أن تبقى تلك القوانين حبرًا على ورق.

*إذن هناك حاجة إلى تغيير في الثقافة كذلك..

- الإصلاح التشريعيّ وحده لا يكفي إن لم يرافقه تغييرٌ ثقافيٌّ عميق. ففي مجتمعاتٍ تتوارث الأعراف والأفكار الأبويّة منذ عقودٍ طويلة، يصبح من الضروريّ إعادة صياغة المناهج التعليميّة والخطاب الإعلاميّ، وتعزيز قيم الاحترام والمساواة بين الجنسين. وما لم يتحرّر الوعي الجمعيّ من النمطيّات التي تقلّل من شأن المرأة، فإنّ القوانين تبقى ضعيفة المفعول، وتظلّ الكثير من النساء خاضعات لقيودٍ صامتةٍ تحرمهنّ حرية الاختيار والعمل والتعبير.

وفي موازاة ذلك، تحتاج المرأة إلى تمكينٍ اقتصاديٍّ يضمن استقلالها المالي، فيتيسّر لها الخروج من دائرة التبعيّة لسلطة الرجل أو لمؤسّساتٍ تفتقر إلى رؤيةٍ مساواتيّة. إنّ توفير فرصٍ متكافئةٍ للتوظيف وترقي المهارات، وإتاحة برامجٍ للدعم الماليّ وريادة الأعمال، يمثّل خطوة حاسمةً نحو ترسيخ دور المرأة بوصفها شريكةً أساسيّةً في الإنتاج والتنمية. ولعلّ هذا يسهم في تكوين نخبةٍ من النساء القياديّات اللواتي يستطعن دفع عجلة التغيير من داخل المؤسّسات، وتحويل التركيز من المسائل الجانبيّة إلى قضايا جوهريّة كتحديث القوانين وحماية المرأة من العنف الأسريّ والتحرّش.

من جانبٍ آخر، تبقى مشاركة المرأة السياسيّة ركنًا أساسيًّا في إعادة هندسة المجتمعات الشرق أوسطيّة؛ إذ يصعُب إحداث تحوّلٍ حقيقيّ إذا كانت المرأة مُبعدةً عن مواقع صنع القرار. لذلك، ينبغي منحها فرصًا عادلةً للترشّح والمشاركة في البرلمانات والمجالس المحليّة ودوائر الحكم المحليّة، بحيث تتمكّن من طرح قضايا النساء والتأثير في طبيعة التشريعات والبرامج التنمويّة. وحين تتزامن هذه المشاركة الفاعلة مع تجديدٍ في الخطاب الدينيّ والاجتهادات الفقهيّة، يُزال الكثير من العوائق التي طالما استندت إلى تفسيراتٍ جامدةٍ للنصوص.

وفي نهاية المطاف، لا يمكن إغفال الحاجة إلى تعاونٍ إقليميٍّ ودوليٍّ لدعم قضايا المرأة في منطقة الشرق الأوسط، خصوصًا في البيئات التي تعاني نزاعاتٍ مسلّحةً أو أزماتٍ اقتصاديّةً حادّة. فالتبادل المستمرّ للخبرات والتجارب بين الدول قد يتيح فرصًا أوسع للتعلّم من نماذج ناجحة، كما أنّ المساندة الماليّة والفنيّة للمنظّمات المدنيّة المحليّة تخلق فضاءً تلتقي فيه جهود النسوة الراغبات في استعادة حقوقهنّ والنضال من أجل مجتمعٍ أكثر عدلًا. هكذا يتجلّى الارتباط الوثيق بين مستقبل المرأة ومستقبل المجتمعات بأسرها، فلا ازدهار ولا ازدهار حقيقيّ ما لم تتبوأ المرأة مكانتها المستحقّة في كل المجالات.