نيلس أندرسون: أفكار أوجلان وتجربة روج آفا يشكلان مثالاً مهماً لمستقبل البشرية

قال المنظّر الفرنسي نيلس أندرسون: ”إن أفكار أوجلان وتجربة روج آفا يشكلان مثالاً مهماً لمستقبل البشرية“.

بعد دعوة "السلام والمجتمع الديمقراطي" التي وجهها القائد آبو في 27 شباط ، قام حزب العمال الكردستاني (PKK)  بقعد مؤتمره الثاني عشر، واتخذ فيه قرارات تاريخية، شملت حلّ الحزب، ولا تزال ردود الفعل الدولية الداعمة لهذه الدعوة التاريخية التي أطلقها القائد آبو وقرارات المؤتمر الثاني عشر لحزب العمال الكردستاني مستمرة في هذا السياق.

وفي هذا السياق، تحدث المفكر الفرنسي البارز، نيلس أندرسون، وهو منظّر ومحرر وكاتب، لوكالة فرات للأنباء (ANF)، مجيباً على الأسئلة التي طُرحت عليه حول هذا الموضوع.

وقال المفكر الفرنسي البارز، نيلس أندرسون، في مستهل حديثه: "أولاً وقبل كل شيء، أودّ أن أقول إن شخصية عبدالله أوجلان لا يمكن فصلها عن نضال وزنزانة وسجن أنطونيو غرامشي ونيلسون مانديلا وآدم ديماسي وجورج عبدالله ومروان البرغوثي وليونارد بيلتيير، فهؤلاء لم يستسلموا أبداً؛ بل واصلوا النضال من أجل الحرية السياسية والاجتماعية لشعوبهم وما زالوا يفعلون ذلك، وأعتقد أن هذا أمر مهم.

كما نعلم أيضاً أن القائد عبدالله أوجلان، في هذه المرحلة، لا يعتبر حريته شرطاً مسبقاً ويقبل بمواصلة نضاله في السجن، أردت أن أؤكد على هذه النقطة المهمة في البداية".

وفيما يتعلق بعملية "السلام والمجتمع الديمقراطيالتي يقودها القائد آبو، قدّم المفكر الفرنسي نيلس أندرسون تقييماً قال فيه: "من الضروري أن التنويه والتذكير بالمراحل المختلفة. المرحلة الأولى، كما هو معروف، كانت فترة الكفاح المسلح التي أُعلنت في فترة السبعينيات والثمانينيات، لكن فترة ”العالم الثالث“، أي الفترة التي كان فيها العالم الثالث ساحة عاصفة وتمكنت فيها العديد من البلدان من التحرر من الاستعمار، قضت عليها الإمبريالية كقوة ثورية بسبب الفساد والقمع والاستعمار الجديد.

وهذا يعني أيضاً وصعاً متعثراً للكفاح المسلح، ففي مرحلة من هذا القبيل، اتخذ عبدالله أوجلان القرار الصائب باختيار مسار آخر للحصول على حقوق الشعب الكردي. ففي ذلك الوقت، كان هذا الدرب متمثلاً في المطالبة بالإدارة الذاتية ضمن بوتقة الدولة التركية، لكن هذا المطلب اصطدم بالموقف الصارم لمبدأ عدم المساس بالحدود، الحدود الداخلية، الحدود الخارجية... حيث أن المساس بهذه الحدود يُعد مبدأً دوغمائياً، نظراً لأنه أصبح اليوم منقوشاً على رخام القانون الدولي.

بالطبع، لدينا أمثلة ملموسة على ذلك، على سبيل المثال، لم تستطع فرنسا فصل الصحراء عن الجزائر خلال فترة استقلال الجزائر، وبالمثل، كان من المستحيل على كاتالونيا الحصول على أي استقلال داخل الدولة الإسبانية، حيث أن مبدأ حرمة المساس بالحدود بات مبدأً أساسياً تدافع عنه جميع الدول اليوم؛ لأنها تدافع عن سلطتها وحدودها.

وبالتالي، فإنهم يؤمنون سيادتهم ونفوذهم، وهذا يقودنا إلى المرحلة التي اختارها عبدالله أوجلان اليوم، وهي المرحلة الثالثة، وهو البحث عن الاعتراف بالوجود الثقافي، ومنح الإدارة الذاتية للمؤسسات السياسية الكردية، والبحث عن حل سياسي-قانوني. وهذا بحد ذاته قرار يستند إلى المنطق العقلاني؛ فهو قرار متماشي ومتوافق مع الوضع الدولي الحالي وإمكانيات نضال الشعوب، ولهذا، يجب فهم هذا الهدف وتصوره على أنه هدف عادل ومعقول ومشروع".

’اقتراح عبدالله أوجلان الجديد عقلاني‘

وأشار نيلس أندرسون إلى أنه في ظل الوضع الدولي الراهن، وفي عالم مليء بالتحديات ومتخم بالاضطراب والفوضى، أصبح كل شيء على حافة التاريخ، حيث يمكن أن تتغير الأمور رأساً على عقب بشكل متسارع، مضيفاً: "هذا يمثل اختفاء عالم القرن العشرين؛ وهذه هي القضية. أعتقد أن أشكال النضال والأدوات يجب أن تتكيف مع الظروف الموضوعية وفقاً للفترات واللحظات وتوازنات القوى العالمية، ومن المعروف أن الكفاح التحرري المسلح قد وصل إلى حدوده القصوى في عصر العالم الثالث، أي في ”المناطق العاصفة.

ولم ينتهي هذا الأمر إلى الأبد، ولكنه وصل إلى حدوده القصوى، لذلك، من الضروري إظهار نهج موضوعي تماشياً مع هذا الواقع. واليوم، في عالم يجري الحديث فيه عن الحروب والحروب المحتملة، كما أن التهديد باندلاع حرب عالمية ثالثة يُعد احتمالاً بارزاً بشكل ملحوظ. أعتقد أنه يجب بذل كل الجهود من أجل السلام والبحث عن جميع الحلول السياسية-الدبلوماسية.

وأعتقد أن هذا هو بالضبط المكان الذي لا تكون فيه القضية الكردية مجرد قضية الكرد اليوم؛ بل هي في الوقت نفسه أيضاً قضية دولية، ويجب الدفاع عن هذه القضية في مواجهة الميول الحالية نحو الحرب والعدوان وكذلك ضد الوحشية المتطرفة في العالم، حيث تظهر القضية الفلسطينية بوضوح أنه لا توجد حدود للاضطهاد وأن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية حقيقية.

وفي فترة من هذا القبيل من العنف الشديد، حيث توازن القوى بين الشعوب والإمبريالية والسلطات الحاكمة على ما هو عليه، فإن الدفاع عن قضية مثل فعل أوجلان -أي المطالبة بحقوق الهوية الثقافية في تركيا- ليس في الواقع مطالبة بالإدارة الذاتية ضمن تركيا؛ بل مطالبة بالاعتراف بالهوية الثقافية. إنه المطالبة بحق المؤسسات الكردية في الوجود، والحق في أن يكون لها مؤسساتها الخاصة، والمطالبة بوجود هذه الهياكل داخل المجتمع الكردي، فهذا هو الطريق الحقيقي إلى تحقيق السلام.

وأعتقد أنه في ظل الظروف الحالية، هذا المسار هو المسار العادل، وهو المسار العميق العادل، لأنه يتوجب على الإنسان اليوم أن ينتفض في وجه دعاة الحرب؛ فهم نشطون للغاية، حيث أن الحرب هي أسوأ شيء يمكن أن يحدث للشعوب، وفي هذا السياق، أعتقد أن الاقتراح الجديد الذي قدّمه عبدالله أوجلان هو اقتراح عقلاني وعادل ومناسب للوضع السياسي وللفترة الحالية".

’من المهم تشكيل لجنة تحت قبة البرلمان‘

ونوّه المنظّر الفرنسي إلى أنّ لجنة شُكلت في البرلمان التركي لإيجاد حلول للمسألة، وأضاف: "هذه هي الخطوة الأولى وتُظهر مدى تعقيد وصعوبة المهمة، لكنها تظهر في الوقت نفسه أيضاً مدى أهمية هذا الهدف، وهو هدف تحقيق السلام على الأقل. ومن المهم جداً أن تفضي هذه المبادرة إلى تحقيق نتيجة مثمرة، حيث أن تشكيل لجنة من هذا النوع تحت قبة البرلمان من منظور القضية الكردية، يُعدّ تطوراً مهماً.

ومن أجل نجاح هذه العملية، من الأهمية بمكان أن تدعم الدول والحكومات الأجنبية والمؤسسات الدولية هذه المبادرة وتساهم في إحلال السلام، حيث تشير الأوضاع الحالية إلى أن العملية ستتقدم بخطوات صغيرة. ولكن مع ذلك، وبالنظر إلى الظروف العالمية الحالية وتوازن القوى القائم، فإن مثل هذه المبادرة هي السبيل الوحيد الممكن والواقعي والقابل للتطبيق للمضي قدماً نحو الأمام.

ولذلك، من الضروري أن يتلقى الكرد الدعم الخارجي في هذه المرحلة الحالية: من الحكومات، ومن المؤسسات الدولية؛ وفي الوقت نفسه أيضاً من الرأي العام والشعوب، فهذه العملية هي قضية تحتاج إلى شرح وفهم، وأعتقد أن هذا هدف رئيسي: بالنسبة للشعب الكردي والقضية التي يدافعون عنها، هذه المعلومة والاطلاع سيسهمان في نجاح النضال في ظل ظروف تركيا والشرق الأوسط والعالم.

’أوجلان محق في انتقاده للماركسية‘

وأوضح نيلس أندرسون رأيه حول انتقادات القائد آبو للماركسية قائلاً: "نعم، لقد كتبتُ مقدمة الطبعة الفرنسية لكتب عبدالله أوجلان، هذه مسألة مهمة للغاية، حيث إن انتقادات أوجلان للماركسية مبررة ومحقة إلى حد كبير.

على سبيل المثال، انتقاده لـ "الاقتصادوية" (التركيز المفرط على الجوانب الاقتصادية) مهم للغاية، وأعتقد أن أوجلان محق تماماً في هذا الشأن. حيث أن الاشتراكية في القرن العشرين منح الأولوية للاقتصاد بشكل كامل، بالطبع، الاقتصاد مهم للغاية على المستوى المعيشي، فإطعام الناس وتحسين ظروفهم المعيشية هما هدفان أساسيان. لكن يجب على المرء تجنب الوقوع في فخ الاقتصادوية، لأن في الواقع، التحول الحقيقي للمجتمع -وهذا ما يجري تجربته في روج آفا اليوم- يحدث أولاً وقبل كل شيء من خلال تغيير ذهنية الأشخاص".

وفيما يخص موضوع الكومونة والكومونالية التي أشار إليهما القائد آبو، قدّم نيلس أندرسون التقييم التالي: "إنّ التأكيد على الكومونة (المجتمع المشترك) هو في الواقع يحظى بأهمية كبيرة، فالأحداث الجارية اليوم تتجلى بوضوح من خلال المجتمع الذي يسعى أوجلان لبنائه، وشكل العلاقات الاجتماعية كما يعرضها في تعريفاته، إلى جانب التجربة المطبقة عملياً في روج آفا، وهذا النهج يقوم على مبدأ الكومونة وذهنية البناء من القاعدة وصولاً إلى القمة، وهو بالضبط ما يُطبّق عمليًا على أرض الواقع حاليًا في روج آفا.

ولقد أدت هذه المرحلة، من الآن، إلى إحداث تحول واضح في العلاقات بين أبناء المجتمع الكردي في سوريا، وأكثر من ذلك، حتى بين الشعوب المحيطة به. حيث يكتسب هذا النهج أهمية كبيرة، إذ أن القضية ليست مجرد قضية اجتماعية، بل تُعنى، قبل كل شيء، بتنمية ذهنية الأفراد.

ولذلك، فإن هذه التجربة تقدم مساهمة قيّمة للمشروع الشيوعي والمشروع الاشتراكي. ويستمر هذا المشروع، أي تجربة روج آفا، في تقديم إجابة لقضايا المجتمعات والشعوب اليوم أكثر من أي وقت مضى".