سنوات طويل من سياسات الحرب ضد الشعب الكردي لم تكن كافية لإقناع تركيا أن هذه السياسة فاشلة؛ فتركيا اليوم تحاول عبر قواتها العسكرية، مرتزقة حراس القرى، الشرطة والجهات الاستخباراتية فرض نظامها الفاشي على الكرد وكردستان.
وتحاول الدولة التركية عبر سياسات الحرب والقمع إنقاذ نظامها المتهالك والحفاظ على قوتها. وإذا قلنا أن هناك دولة تعتمد كلياً على هذه الأجهزة الأمنية والعسكرية للحفاظ على وجودها فهذا يشير إلى ضعف الدولة.
ويمكن القول إن الظروف والأوضاع خلال القرن العشرين كانت تتطلب مبدأ الاعتمام على القوة العسكرية لبناء الأنظمة والحفاظ على الدول لكن أن تعتمد تركيا على نفس السياسة للبقاء في الحكم وتفرض نفسها على الشعب الكردي، الذي يناضل منذ 45 عاماً من أجل حقوقه، فهذا الأمر غير ممكن في كل الأحوال.
مصير تركيا مرتبط بنضال الكرد من أجل الحرية
هناك خياران لا ثالث لها: إما أن يعيش الكرد بهويتهم، لغتهم، ثقافتهم وإدارتهم المستقلة، حرة وديمقراطية، وإما أن تعاني تركيا من أزمة سياسية واقتصادية عميقة إلى أن تتفتت من الداخل لسبب أنها غير قادرة أو لا ترغب في حل القضية الكردية؛ فمصير تركيا مرتبط مع ارتباط وتمسك الكرد بنضالهم من أجل الحرية.
وتركيا ومنذ تاريخ 12 أيلول 1980 وعام 1990 هذه هي المرّة الثالثة التي تشن فيها تركيا حرب شاملة بكل مؤسساتها، إمكانياتها وطاقاتها بهدف القضاء على نضال حركة الحرية للشعب الكردي.
العقلية التي حكمت تركيا في العام 1980 و1990، وحتى اليوم هي نفسها التي تهاجم الكرد على الرغم من تغير الأوضاع والظروف في العالم، فكما أودت تلك السياسة بتركيا إلى أزمة سياسية واقتصادية كبيرة في السابق فإنها اليوم تعيش نفس الوضع، حتى أصابتها بالشلل التام والعجز.
تركيا تتخيل أن تصعيد الحرب يحل أزمتها
وتركيا، اليوم، وعبر تصعيد الحرب وارتكاب المزيد من الانتهاكات تحاول تحرير نفسها من هذه الأزمة. لكن السياسة التي تقود هذه الحرب أقحمت نفسها في متاهة لم تعد قادرة على الخروج منها، لذا تحاول وعبر الحرب الخاصة إظهار نفسها في صورة المنتصر.
كل يوم تعرض شاشات التلفزيون والصحف والمجلات التابعة لغرف سياسات الحرب ضد الشعب الكردي أنباء كاذبة وتؤكد انتصاراتها، وهي بهذا الشكل تحاول إبعاد نظر المجتمع عن حقيقة أن سياسات الحرب هي المتسببة في حدوث هذه الأزمات في الداخل التركي.
على الرغم من أن الأزمة السياسية والاقتصادية التي تعاني منها تركيا هي نتاج سياسات الحرب التي تقودها الحكومة التركية، إلا أن الحكومة تحاول أن تظهر للمجتمع أن هناك أصابع خارجية تسببت في خلق هذه الأزمة، وتحاول إلصاق التهم بالقوى الخارجية.
العدالة والتنمية تعتمد على العملاء للبقاء
منذ أن تولى حزب العدالة والتنمية AKP الحكم في تركيا رفعت ميزانية مؤسسات الدولة, إحدى المؤسسات التي ارتفعت ميزانيتها بشكل كبير هي الاستخبارات التركية (MÎT). سلطة العدالة والتنمية التي هزمت سياسياً وإيديولوجياً اليوم تعتمد في بقائها على العملاء، وتصرف الكثير من الأموال على الاستخبارات في الداخل والخارج، في محاولة لتوجيه الضربة القاضية للمقاومة الحرية التي يقودها الشعب الكردي.
وهي تدفع في جنوب كردستان رواتب لمئات العملاء، وتغدق الأموال على عملائها بشكل كبير لكل من يقدم لها معلومات مهمة تفيد في ضرب الحركة الكردية.
وفي سوريا جندت مئات العملاء، وتدفع الرواتب لآلاف المرتزقة الذين يعملون لصالحها.
وفي تركيا أيضاً تمارس نفس السياسة وتحاول تجنيد أكبر عدد من العملاء داخل المجتمع بل وتعمل على خلق دولة من العملاء والجواسيس وبهذا ترفع ميزانية الاستخبارات سنوياً لحدود تتجاوز قدراتها المالية.
أردوغان يعيش نفس مخاوف السلطان عبد الحميد
وعندما شعر النظام بالخوف فَعّل دور العملاء بشكل أكبر لحماية نفسه من المعارضين، وهذا ما فعله السلطان العثماني عبد الحميد عندما شعر بالخوف من المعارضين له.
واليوم أردوغان يعيش نفس مخاوف السلطان عبد الحميد، حتى أنه قال: "حقان فيدان بيتُ سري". وفيدان هو مسؤول الاستخبارات التركية.
والواضح أن هناك الكثير من التجاوزات على القانون مخفية بين أردوغان وفيدان، وإذا ما عدنا لتصريح وزير الداخلية التركي السابق محمد أغار الذي قال: "نفذنا ألف حملة عسكرية" حينها نستطيع أن نخمن كم ألف حملة نفذت إلى اليوم.
تركيا تحولت لدولة بوليسية
والحقيقة أنه في ظل نظام أردوغان تحولت تركيا إلى دولة بوليسية واستخباراتية بامتياز. ومع عملية أسر ضابطين كبيرين في الاستخبارات التركية في جنوب كردستان تلقت الدولة الاستخباراتية ضربة موجهة في الصميم، لكن ورغم ذلك لا تزال تركيا مستمرة في تطبيق نفس السياسة.
ولا توجد دولة في العالم تعتمد في بقائها على المؤسسات العسكرية والاستخباراتية، فما يبقى الدولة والأنظمة متماسكة وقوية هي القوى السياسية وتستمد شرعيتها من المجتمع.
والنظام، الذي يلقى ترحيباً من داخل المجتمع ويستمد شرعيته منه، لا يمكن أن تتحول إلى دولة بوليسية واستخباراتية؛ لكن ولأن نظام أردوغان لا يملك أي شرعية في كردستان يلجأ إلى أسلوب الدول البوليسية والاعتماد على الجهات الأمنية والاستخبارات.
ويعيش نظام وحكومة العدالة والتنمية هذا الواقع اليوم، في ظل حكومة غير شريعة، لهذا تعتمد بشكل كلي على أعداء الديمقراطية وأعداء الشعب الكردي وتسخرهم لصالحه في محاولة منه لإطالة عمر النظام واستمراره.
واليوم فإن أكبر جريمة وخطأ قد يقع فيه أبناء الشعب الكردي هو التعامل مع الشرطة، جنود الجيش والاستخبارات.
كل جريمة تغتفر إلا العمالة
والشعب الكردي يمكن أن يغفر كل الجرائم بحقه إلا جريمة الوقوف إلى جانب قاتل وعدو الشعب الكردي، فالعمالة لصالح العدو شيء مختلف عن التعامل بشكل علني مع العدو، فالعميل يظهر نفسه على أنه صديق، والحقيقة أنه يجمع المعلومات عن أقرب المقربين له ويقدمها على طبق من فضة للعدو.
وهذا شكل من أشكال التطفل؛ لذا فإن كل كردي يتعامل مع هذا النظام في البداية يقضي على وجوده ونفسه وذاتيه ومن ثم يؤذي غيره.
وتركيا باتت، اليوم، تهدد المجتمع التركي بكافة أطيافه، فتهدد أهالي المعتقلين بإنزال أقسى العقوبات بحق ذويهم في محاولة لتجنيدهم والحصول على معلومات منهم، وكل من يرتكب مخالفات قانونية ويواجه عقوبة السجن أول ما يعرض عليه من قبل الشرطة والاستخبارات التركية حتى يتم العفو عنه هو أن يعمل لصالح الاستخبارات، كذلك كل من يعاني من سوء الأوضاع المعيشية تحاول الشرطة والاستخبارات تجنيدهم.
في جنوب كردستان أيضاً تحاول تجنيد كل ذي نفس ضعيفة تجاه المال وتجندهم لصالحها، كذلك جندت الكثيرين من اللاجئين السوريين في المخيمات في جنوب كردستان الذين يعانون من أوضاع معيشية مأساوية.
وتتبع تركيا، التي عجزت عن حل أزمتها السياسية والاقتصادية، أسلوب الاعتماد على الاستخبارات والعملاء ظناً منها أنه السبيل إلى الخلاص من أزمتها، لكن الحقيقة أن هذا الأسلوب يزيد الطين بله وسيُغرق هذا النظام أكثر فأكثر، وهذا ما يعاني منه نظام أردوغان اليوم.
العدالة والتنمية نموذجاً للأنظمة الاستبدادية
وتحول حزب العدالة والتنمية AKP، الذي تولى الحكم في تركيا تحت مسمى حل الأزمات التي تعاني منها سياسياً، إلى نموذج الأنظمة الاستبدادية الدكتاتورية في الشرق الأوسط، وذلك بعد أن تخلى عن تلك السياسة التي ادعى سيره على نهجها حتى يصل إلى الحكم.
المصدر: YENÎ OZGUR POLÎTÎKA