وتفجر الجدل قبل أيام، عندما دعا رئيس مجلس الغرف التجارية السعودية عجلان العجلان لمقاطعة المنتجات التركية وسط تقارير من التجار عن أن الخلافات بين أنقرة والرياض تعطل تدفق البضائع بين القوتين الإقليميتين. وفي وقت سابق هذا العام حجبت كل من الدولتين مواقع إخبارية للدولة الأخرى.
وكشفت صحيفة اندبندنت البريطانية وعدد من وكالات الأنباء العالمية أن الحديث عن قطيعة اقتصادية محتملة بين السعودية وتركيا اصبح أمرا وشيكا إن لم يكن قائما بالفعل بصورة غير معلنة، في إشارة إلى تحول الخلاف السياسي بين البلدين إلى التجارة والاقتصاد ورغبة المملكة في مواجهة سياسة الرئيس التركي العدوانية بكل الوسائل الممكنة.
وكتب العجلان على تويتر "المقاطعة لكل ما هو تركي، سواء على مستوى الاستيراد او الاستثمار أو السياحة، هي مسؤولية كل سعودي ‘التاجر والمستهلك، رداً على استمرار العداء من الحكومة التركية لقيادتنا وبلدنا ومواطنينا".
وناقشت صحف عربية دعوة رئيس مجلس الغرف التجارية السعودية، عجلان العجلان، لمقاطعة المنتجات التركية، وسط تقارير من تجار أفادت بأن الخلافات بين أنقرة والرياض تعطل تدفق البضائع بين القوتين الإقليميتين.
وللسعودية تاريخ طويل من استغلال قوتها الاقتصادية كسلاح في سياستها الخارجية، منذ حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، حيث استخدمت مع دول الخليج ما يعرف بـ"سلاح البترول" لدعم مصر وسوريا في حربهما ضد اسرائيل لاسترداد الأراضي المحتلة.
وقال المحلل الاقتصادي السعودي تميم جاد في مقابلة مع وكالة "سبوتنيك" الروسية: الموضوع يناقش في تويتر وما بين بعض رجال الأعمال المتنفذين وبعض رؤوساء الغرف، بأنه نتيجة للدور السياسي الذي تقوم به حكومة أردوغان وأردوغان نفسه، وجه تركيا كدولة مسلمة ودولة صديقة بأن توضع في وحل المشاكل السياسية، فيما يتعلق بهجومه على المملكة وتدخله على مستوى المنطقة.
منذ عام 2015، تراجعت واردات السعودية من تركيا تدريجياً مع تصاعد التوترات السياسية بين البلدين، وتحتل السعودية المركز الخامس عشر من بين أكبر أسواق التصدير في تركيا، حيث بلغت مبيعات السجاد والمنسوجات والمواد الكيميائية والحبوب والأثاث والصلب 1.91 مليار دولار في الأشهر الثمانية الأولى من العام.
ويتابع جاد: "الآن أردوغان كشخص أصبح يخلق نوع من الهلاك لتركيا، وتركيا دولة إسلامية عريقة لديها الإمكانيات، وتوجه حكومتها السياسية يخرب على البلد، لكن الحكومة السياسية لم تصرح بأي شيء، بل هو موضوع يناقش بين رجال الأعمال نتيجة للدور التركي فقط، وهذا الدور فاقد للتوازن فيخلق بالتالي نوع من ردة الفعل".
ويضيف: "الحكومة السعودية تأخذ الأمور بهدوء وسلاسة، ولكن ما يحدث يأتي عن طريق رجال أعمال غيورين على المملكة، ولديهم امتعاض مما يقوم به أردوغان وحكومته، وتوريط الشعب التركي والاقتصاد التركي في أمور هو بغنى عنها، وأعتقد أن جزء كبير من هذا الشعب ضد هذه السياسة".
وقال المكتب الإعلامي للحكومة السعودية ردا على استفسار من وكالة رويترز إن المملكة ملتزمة بالتجارة الدولية والاتفاقيات الاستثمارية والتجارة الحرة.
وأضاف المكتب أن السلطات الرسمية بالمملكة لم تفرض أية قيود علىالبضائع التركية. ويعتقد بعض التجار السعوديين والأتراك منذ أكثر من عام أن السعودية تفرض مقاطعة غير رسمية على الواردات من تركيا.
وقال مستورد سعودي لرويترز طلب عدم نشر اسمه إن حاويات استوردها هذا العام من تركيا ظلت بالجمارك لمدة ثلاث أشهر قبل الإفراج عنها. وقال إن مسؤولي الجمارك نصحوه بشكل غير رسمي بعدم الاستيراد مباشرة من تركيا مجددا.
وقال محمد جوزيل منصور النائب المعارض في البرلمان التركي الأسبوع الماضي إن السلع التي تُصدر من إقليم خطاي الذي ينتمي إليه، خاصة الفواكه والخضراوات الطازجة، تُحتجز على الحدود السعودية أطول مما ينبغي عند وصولها.
وقال في تصريحات نشرتها وسائل إعلام تركية وعلى صفحته على تويتر إنه قلق من احتمال توسيع ما وصفه بحظر جزئي غير رسمي من جانب السعودية.
وعن مدى تأثر الاقتصادين السعودي والتركي في حال تمت المقاطعة من قبل السعوديين، يقول الخبير الاقتصادي تميم جاد: "البضائع التركية عديدة في السوق السعودية، منها المواد الغذائية والطبية ومواد البناء ومواد تكميلية، ويوجد تجارة كبيرة بين السوق السعودي والتركي، ولا شك أن السياحة السعودية لتركيا خلال السنوات الخمس الأخيرة كانت عالية جدا، ووصلت إلى أكثر من 50 ألف سائح في الصيف، عدا الناس الذي يذهبون في عطلة نهاية الأسبوع، ومن يملكون عقارات هناك".
واستكمل: "السوق السعودي مفتوح للعديد من الدول الأوروبية الشرقية منها والغربية، ولو فرضا حدثت مقاطعة ففوارق الأسعار فقط ستكون لمصلحة المنتج التركي، والذي يتميز بالجودة والأسعار المعقولة، ولكن لو حصلت المقاطعة وأنا استبعد ذلك، فلن يكون التأثير قوي جدا".
وتابع: "لا أعتقد أن هناك أي تأثير سيكون ملحوظا لأن السوق مفتوح، وهناك منافسة من قبل بضائع أوروبا الشرقية التي تشبه البضائع التركية، لكن كما أسلفت أن فوارق الأسعار هي التي قد تكون ملحوظة في التأثير".
وتقول صحيفة "رأي اليوم" اللندنية في افتتاحيتها إن "السلطات السعودية أعلنت حربا اقتصادية ضد تركيا في تزامن مع مرور الذكرى الثانية لمقتل جمال خاشقجي، تمثلت في دعوة عجلان العجلان، رئيس الغرف التجاريّة السعودية الأحد إلى المقاطعة الشاملة للبضائع والمنتجات التركية، وعلى كل المستويات، بدأً من الاستيراد ومرورًا بالاستثمار وانتهاء بالسياحة".
وتضيف الصحيفة: "الحرب التجارية السعودية ضد تركيا وبضائعها لم تأخذ الطابع الرسمي لتجنب أي عقبات يمكن فرضها من قبل منظمة التجارة العالمية، ولهذا يعتقد أنه جرى الإيحاء للسيد العجلان الذي يترأس الغرف التجارية لمطالبة التجار أعضاء هذه الغرف بعدم استيراد البضائع التركية".
ويرى حمود أبو طالب، في صحيفة "عكاظ" السعودية إنه "لا بد أن يكون هناك حراك آخر على المستوى الاقتصادي والشعبي والثقافي ضد توجهات أردوغان لكي يعرف ويتأكد أن لعبته الخطرة ليست بالسهولة التي يتخيلها، وأن هناك شعوبا تربطها بأوطانها علاقة انتماء وثيق، وقادرة على القيام بمهمتها الوطنية عندما يقتضي الأمر ذلك".
ويضيف الكاتب: "حان الوقت لإعادة النظر في طبيعة العلاقة بيننا وبين تركيا الأردوغانية حتى يعرف هذا الكذوب أن الدول التي استخف بها قادرة على تحجيمه وإجباره على التعاطي معها بالاحترام اللائق بها كدول عريقة أصيلة ضاربة في أعماق التاريخ، وقوية ومؤثرة بالقدر الذي يعيده إلى حظيرته الداخلية".