شبح انتخابات 7 حزيران يزرع الرعب في قلب حكومة اردوغان

يخوض نظام الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، صراعًا داخليًا عميقا، في الوقت الحالي، و يعتبر أن الانتخابات المبكرة هي الضمان لبقائه، رغم حالة الخوف التي تعيشها حكومة العدالة والتنمية مع اقتراب الموعد.

عندما بدأ "كارل ماركس" بكتابة بيان الحزب الشيوعي قال: " هناك طيف يحوم في أوروبا، هو طيف الشيوعية". وتشكل ضد هذا الطيف، في القارة العجوز، " الحلف المقدس" والذي ضم: البابا و القيصر، مترنيخ و غيزو، الراديكاليين الفرنسيين و الشرطة الألمانية.

و توصل ماركس إلى النتيجة التالية: "أن جميع القوى في أوروبا وعبر هذا الاتفاق اعترفت بالشيوعية، لقد حان الوقت لترد الشيوعية و بشكل واضح عبر نظريتها، أهدافها و ميولها على كل العالم و تنتشر عبر بيان حزبه من جديد".

ورغم اختلاف الزمان، المكان، الشروط و الظروف إلا أن اتفاق " الحلف المقدس" وبعد انتخابات 7 حزيران وبهدف طرد هذا الشبح الشيوعي بدأ بالهجوم من كل النواحي.

وحتى لا نقع في نفس أخطاء تلك المرحلة يتوجب على القوى الديمقراطية و اليسارية الحقيقية وعلى رأسها حزب الشعوب الديمقراطيHDP أن تلبي مطالب قوى الشعب لتكون قادرة على الرد على هذا الهجوم.

ما الذي حصل في انتخابات 7 حزيران؟

في انتخابات 7 حزيران 2015 كانت قراءة حكومة حزب العدالة و التنمية مختلفة عما حصل. وكانت قد ضمنت الفوز، و تظن أنها ستحصد جميع نتائج المرحلة التي اطلق عليها اسم" مشروع السلام" والتي كانت تدار من قبل الطرف الكردي فقط و ستكون كل النتائج لصالحها.

حكومة حزب العدالة و التنمية وفي تلك المرحلة، وعندما كان هناك مفاوضات من أجل تحقيق السلام و حل القضية الكردية، ولم تكن الضغوط كما الوقت الراهن، شعرت بخطر نتائج الانتخابات على نظامها.

شارك حزب الشعوب الديمقراطيHDP وبشعبية كبيرة في الانتخابات و حقق نتائج تاريخية بنسبة 13,1% وهذا ما زعزع أركان حكومة أردوغان، التي نالت حينها نسبة 40,9% و نالت 258 من مجموع مقاعد البرلمان ولم يحقق الأغلبية في حصد مقاعد البرلمان، وهذا ما منعها من تحقيق مشاريعها وفرض سياساتها على البلاد.

هذه النتائج بالنسبة لأردوغان و نظامه كانت ضربة قوية لنظام الفرد الواحد.

و بفضل هذه النتيجة بات الطريق ممهداً لتحقيق بعض الإنجازات في مجال الديمقراطية و الحريات و السلام الحقيقي.

و انعكست هذه النتيجة على مجلس النواب ( البرلمان) ومهد لتعزيز الديمقراطية و مشاركة حزب الشعوب الديمقراطيHDP في البرلمان بتمثيل 80 نائب خلق بدائل مهمة.

آلية و نتائج انتخابات 7 حزيران

وكانت نتائج انتخابات 7 حزيران مذهلة وتستحق الحديث عنها على كافة المستويات، وعكست آلية هذه المرحلة منطق و لهجة  7 حزيران، الذي تحقق عبر النضال و محاولات تحقيق مشروع السلام و الذي تم عبر المفاوضات مع أوجلان في إيمرالي وصولاً إلى مقاومة غيزي و كوباني.

وبالنظر إلى هذه الآلية تتضح هوية تلك القوى التي يضمها حزب الشعوب الديمقراطيHDP. المرحلة، التي انطلقت منذ عام 2009 عبر التفاوض مع أوجلان في ايمرالي والتي تطورت في بداية 2013 عبر وفد ايمرالي الذي التقى أوجلان، اليوم نراها وصلت إلى مرحلة متطورة جديدة، ومهدت لتحقيق تطورات كبيرة على الساحة السياسية. انتفاضة 27 أيار 2013 امتدت لتصل إلى 78 مدينة كبيرة من اصل 81 مدينة، المطالب التي رفعت في تلك المظاهرات والتي تعامل الشرطة التركية معها بالشكل الوحشي شبهت تلك الانتفاضة بثورات الربيع العربي، حركة احتلوا وول ستريت في أمريكا، حركة التمرد في إسبانيا و حركة 68 أيار في فرنسا.

و بعد مرور عام على احتجاجات غيزي و في شهر تشرين الأول 2014 انطلقت احتجاجات التضامن مع كوباني ضد الحكم في تركيا. هذه الاحتجاجات والتي أطلق عليها أحداث 6-7 تشرين الأول كانت ضد محاولات الحكومة التركية الشعب من التضامن و دعم مقاومة كوباني التي كانت تتعرض لهجوم من قبل إرهاب داعش حينها.

وكانت هناك أسباب أخرى دعت إلى تلك الأحداث، فالاحتجاجات اندلعت في عشرات المدن الكبرى و نتيجة التدخل العنيف من قبل الحكومة فقد 46 شخص حياته. و وفقاً للإحصائيات الرسمية في الفترة ما بين 7 إلى 12 تشرين الأول أصيب 682 شخصًا، اعتقل 323 شخصًا و كانت هذه الاحتجاجات إحدى أكبر الاحتجاجات التي نظمها الشعب الكردي في إطار مسيرة النضال التحرري.

وكان إتمام مشروع السلام، في تلك المرحلة، ضرورة حتمية بالنسبة لمقاومة كوباني، حل القضية الكردية في تركيا و استقرار المنطقة بشكل عام.

وكانت احتجاجات غيزي إحدى أهم ركائز الديمقراطية في تركيا، كذلك مقاومة كوباني التي أثرت و بشكل كبير على مجريات الأمور على الساحة الإقليمية و الدولية.

وأظهرت هذه الأحداث شكل حكومة الدولة التركية المناهضة للديمقراطية من ناحية، ومن أخرى أظهرت الغضب تجاه السياسات المعادية للشعب الكردي، كذلك مفاوضات إيمرالي بينت سبل حل الأزمة و تحقيق السلام وكانت هي الأمل في تحقيق تطور في هذا المجال.

وأوضحت مجمل هذه التطورات الخطوط العريضة لحل القضية الكردية و تحقيق مشروع السلام وخلال انتخابات 7 حزيران دعمت حزب الشعوب الديمقراطيHDP.

التطورات بعد انتخابات 7 حزيران

 

لا شك أن تفسير انتخابات 7 حزيران لن يكون فقط حول الآلية التي مهدت لإجرائها بل هناك تداعيات مسبقة و تلت المراحل فيما بعد الانتخابات أيضاً.

فمع توسع جبهة الديمقراطية بدأ أعداءها من جديد بتشكيل تحالفات و مهاجمة تلك القوة. فالحالة التي وضعت فيها الجبهة الرأسمالية، المحافظون، الليبرالية و الفاشية كان من شأنها التمهيد لشن هجوم أكثر شراسة على القوى الديمقراطية و الداعية إلى الحرية.

ولأن انتخابات 7 حزيران أفشلت جميع مخططات أردوغان، فقد أحدث الأخير انقلاباً سياسياً ليتم الإعلان عن إعادة الانتخابات في 11 تشرين الثاني من نفس العام.

وخرجت نتائج تلك الانتخابات وفق ما تتمناه حكومة حزب العدالة و التنميةAKP, و المرحلة التي تلت هذا الإنقلاب السياسي دفعت البلاد إلى الهاوية و أزمت الوضع بشكل أكبر.

وخلال هذه المرحلة المظلمة التي مرت بها البلاد دمرت المدن الكردستانية و قتل أبناء الشعب الكردي في جزير، شرناخ، نصيبين و سور؛ كما ارتكبت جرائم حرب كبيرة بحق الشعب الكردي، وراح مئات المدنيين ضحايا لذلك إضافة إلى تدمير عشرات الأحياء.

وفيما بعد اتضح أن هذا المخطط تم الاتفاق عليه منذ بداية العام 2014 و أن نتائج انتخابات 7 حزيران هي التي أعاقت تنفيذ هذا المخطط في وقته لكن رغم هذا لم يكن بمقدورها إزالة هذا المخطط من أساسه.

وسخر حزب العدالة و التنمية، الذي منذ بداية عام 2000 تولى حكومة البلاد، كل إمكانيات الدولة في سبيل تحقيق مصالحها الخاصة و الهيمنة على الإعلام، الشرطة، الأمن، الجيش إلى أن تمكنت من السيطرة حتى على القضاء في تركيا.

وبالتزامن مع عمليات القتل، المجازر، تدمير المدن الكردستانية، الاعتقالات، و إرهاب الشرطة و الجيش التركي و الممارسات الغير إنسانية و الانتهاكات جاءت محاولة انقلاب تموز 2016، الذي لا تزال الكثير من معالمه مجهولة وغير معروفة، كان من شأنه دعم الحكومة في الكثير من النواحي إلى حد كبير.

و بات الطريق الأنسب لتقوم به الحكومة من خلاله بتصفية خصومها إلى درجة أن اردوغان نفسه و صفها "نعمه من الله".

اليوم ندرك تماماً موقف حكومة حزب العدالة و التنميةAKP و أهدافها من تلك المرحلة التي كان يطلق عليها مفاوضات السلام، كما أن انتخابات 7 حزيران أزالت اللثام عن الوجه الحقيقي لحكومة حزب العدالة و التنميةAKP و كشفت حقيقتها و زيف شعاراتها.

 

شبح انتخابات 7 حزيران .. أمل الناخبين

ولا تزال حكومة العدالة والتنمية، حتى وبعد مرور السنين، تخشى من نتائج انتخابات 7 حزيران، التي تحققت على أساس المقاومة، النضال و تحقيق السلام.

يخيم شبح انتخابات 7 حزيران، اليوم، مرة أخرى على انتخابات 24 حزيران و يزرع الرعب في نفس حكومة أردوغان، فنتائجها التي كانت تحمل معها آمال النجاح، بلد مختلف، إدارة و حكومة مختلفة و حياة جديدة بالنسبة للشعب لا شك أنها كانت تعتمد على آليات مختلفة منبثقة عن طموحات مختلف شرائح المجتمع.

و هذه الآليات و عبر السنوات تم قمعها، تهميشها و كانت مستهدفة بشكل كبير، واستهدفت الحكومة الفاشية و بدون رحمة و تردد الجبهة الديمقراطية، التي تعرض  ممثلوها للظلم، الاعتقال، القمع، التعذيب، الترحيل، السجن و الخضوع و بشكل مختصر بعد انتخابات 7 حزيران ومن الناحية العملية النظام تغير بشكل حقيقي. ومع تغير الظروف و الأوضاع لكن بقي النضال مستمراً ولم ينتهي.

نتائج الانتخابات في 7 حزيران 2015 والتي أجريت في ظل أوضاع مستقرة و آمنه لن تكون كنتائج انتخابات 24 حزيران 2018 والتي تجري في ظل حالة من القمع و الفاشية. النتائج وفق المعادلات الرياضية لن تكون كافية لتفسير تلك النتائج التي ستظهر، ولا يوجد نصر أو هزيمة حتمية في هذه المعركة و جميع الاحتمالات مطروحة في ظل هذه المرحلة الحساسة.

و نتائج انتخابات 7 حزيران لن تكون في احتمالات الطرفين؛ كل رقم يضاف إلى حقيبة طرف سيكون له وزنه و قيمته بالنسبة للطرفين و هذه الأرقام هي التي ستوضح ملامح المرحلة ما بعد انتخابات 24 حزيران. السلطة ستحاول طرح سيناريوهات جديدة على الساحة لكن نجاح و هزيمة هذه السيناريوهات مرتبطة و بشكل مباشر مع قوة الجبهة المعارضة، حتى لو كانت تلك المخططات ضعيفة وغير متماسكة لكن هناك هيكلية منظمة فالقوى المستبدة في الدولة لا تزال تتحكم بمفاصل الدولة و تسيطر عليها.

وعبر الكثير من السنوات تمكنت من تنظيم نفسها و الهيمنة على الدولة و شكلت بهذا تهديداً لانهيار الدولة، و في الطرف الآخر الأمل و النضال بمفرده غير قادرة على مقارعة هذا التهديد و من الممكن ألا يكون ضماناً للنصر.

لكن في حال تم تنظيمها بشكل جيد حينها يمكن القول أن هناك قوة يعتمد عليها و من أجل الانطلاق نحو الديمقراطية بشكل قوي لا بد من توفر ذلك الأساس.

إلى هذا فكل تلك الركائز الهشة، التعبيرات الغامضة، المواقف الغير معبرة و الواضحة والمشاريع الغير متماسكة جميعها من شأنها توسيع الهوة و عرقلة المساعي الداعية إلى تحقيق السلام.

وتتطلب المرحلة اليوم الرد القوي على قوى الاستبداد و المهيمنة على الحكم، وإذا ما كانت الانتخابات اليوم في تركيا ينظر إليها على أنها الطريق لحل الأزمات و إعادتها إلى طريق الديمقراطية،  فيجب أن يكون الرد وفي هذه المرحلة بالذات قوياً على قوى الإستبداد و الفاشية التي تتحكم بالبلاد.

وبالنظر إلى الأوضاع و الظروف في البلاد و نتائج انتخابات 7 حزيران نرى أنه بالإمكان الرد على الفاشية و إحداث فارق عبر الانتخابات.

أما اليوم فإن انتخابات 24 حزيران تفرض على المجتمع بالتحرك سريعاً للرد على الفاشية بنفس الطريقة. لذا على القوى الديمقراطية وبهدف تنظيم الجبهة الديمقراطية من ناحية و من ناحية أخرى لمنع المخاطر التي ستظهر بعد إعلان نتائج انتخابات 24 حزيران يتوجب عليها التحرك بشكل قوي، حذر و أكثر مسؤولية في هذه المرحلة.