بعد شهر من ولايته الرئاسية الجديدة.. عقوبات ضد تركيا و"حرب اقتصادية" في الأفق

بعد فشل لقاء وزيري خارجية الولايات المتحدة وتركيا، الجمعة، في احتواء الأزمة الدبلوماسية بين البلدين على خلفية اعتقال تركيا لقس أمريكي واحتجاز آخرين، بدت الولايات المتحدة اليوم مصممة على مطالبها ومحذرة لتركيا من خطورة التمادي في احتجاز رعاياها.

يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية عازمة على إطلاق سراح القس الأمريكي "أندرو برونسون" المعتقل لدى تركيا منذ 2016، وهو الأمر الذي كشف عنه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، اليوم السبت، معبراً عن أمل بلاده في حل عاجل للخلاف مع تركيا حول قضية القسّ الموقوف في تركيا.

ودعا بومبيو إلى ضرورة إلى حل قضية القس وأمريكيين آخرين محتجزين في تركيا "خلال الأيام القادمة".

وجاءت تصريحات "بومبيو" على هامش الاجتماع الـ51 لوزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان" بسنغافورة، والتي التقى خلالها أمس بنظيره التركي مولود جاويش أوغلو.

وكان بومبيو أعلن قبل لقائه بـ"أوغلو"، أن واشنطن مصممة على التوصل إلى إطلاق سراح برانسون، وقال إن العقوبات على الوزيرين التركيين دليل على التصميم الكبير لواشنطن على إطلاق سراحه.

وأضاف "يجب أن يعود برانسون إلى بلاده والأمر نفسه بالنسبة إلى جميع الأمريكيين الذين تحتجزهم الحكومة التركية، إنهم يحتجزونهم منذ فترة طويلة وهم أبرياء".

ويرى الدكتور أحمد أبو زيد الباحث في إدارة الأزمات والأمن الإقليمي في تصريح لوكالة فرات للأنباء ANF، أن الأزمة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وتركيا، تعكس استمرار حالات التوتر الموسمية التي مرت بها علاقات البلدين خلال السنوات الأخيرة، وتصميم الإدارة الأمريكية على مطالبها من تركيا التي امتدت إجراءاتها القمعية لتشمل مواطنين أمريكيين، وليس فقط ضد المعارضين لسياسة أردوغان.

وأوضح أبو زيد أنه رغم التوتر الراهن إلا أن هناك استمرار في التفاهم في ملفات أخرى، وهو ما يشير إلى صعوبة وصول أردوغان إلى مقايضة مع الولايات المتحدة تشمل إطلاق سراح القس مقابل إطلاق أيادي أردوغان في الشمال السوري مثلا، حيث تصمم واشنطن على كبح جماحه وإجباره على الاستجابة لمطالبها للإفلات من العقوبات المحتملة والقائمة، وهو ما تؤكده الإجراءات العقابية الأخيرة.

عقوبات تجارية جديدة تتزامن مع انهيار العملة التركية

وتأتي العقوبات الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية تزامناً مع انهيار العملة ووصول البلاد إلى أعلى درجة تضخم تمر بها البلاد منذ 14 عاماً.

وتراجع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التجارة التركية المعفاة من الضرائب في أسواق الولايات المتحدة بموجب ما يعرف بنظام الأفضلية المعمم، بعد أن فرضت أنقرة رسوما انتقامية على سلع أميركية قيمتها 1.78 مليار دولار رداً على رسوم واردات الصلب والألمنيوم الأميركية، حسبما أفاد موقع قناة سكاي نيوز عربية اليوم.

وحسب رويترز، فإن المراجعة قد تؤثر على سلع قيمتها 1.66 مليار دولار تصدرها تركيا إلى الولايات المتحدة واستفادت من برنامج الأفضلية العام الماضي، وعزا مكتب الممثل التجاري الأمريكي إجراء المراجعة إلى بواعث قلق بشأن التزام تركيا بالبرنامج بعد أن استهدفت سلعاً أميركية فحسب وليس من دول أخرى.

وبلغ التضخم في تركيا أعلى مستوياته في أكثر من 14 عاماً، ليلامس نحو 16 % على أساس سنوي، مع ارتفاع أسعار الغذاء. ودفعت عمليات بيع لليرة، التي فقدت خُمس قيمتها مقابل الدولار هذا العام، أسعار الوقود والمواد الغذائية والإيجارات للارتفاع، وأظهرت بيانات من معهد الإحصاء التركي أن التضخم بلغ 15.85% على أساس سنوي في يوليو، مدفوعا بزيادات في خانة العشرات لأسعار النقل والسلع المنزلية والمواد الغذائية.

وأثار امتناع البنك المركزي التركي عن زيادة أسعار الفائدة أكثر، قلق المستثمرين الذين يرون أنه يتعرض لضغوط من الرئيس رجب طيب أردوغان.

وتؤكد الدكتورة نورهان الشيخ، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة أنّ الاقتصاد التركي بات يواجه صعوبات نتيجة لسياسة أردوغان وعلاقته المضطربة بالولايات المتحدة حالياً نتيجة لاعتقال القس الأمريكي وكذلك لرفضه تنفيذ العقوبات المفروضة على إيران، إضافة إلى الإجراءات القمعية التي اتخذها بحق المعارضين.

وأوضحت "الشيخ" في تصريح خاص لوكالة فرات للأنباء ANF، أن أردوغان استطاع خلال فترة حكمه تكوين طبقة من رجال الأعمال الموالين له بشكل أو بأخر، ويعتمد عليهم في الخروج من كبوته الحالية.

وأكدت أن هناك إجراءات تصعيدية من جانب الولايات المتحدة ضد تركيا، لا سيما بعد فرض عقوبات ضد وزيري الداخلية والعدل التركيين، فضلا عن العقوبات التجارية المنتظرة حاليا، بعد فشل لقاء وزيري خارجية البلدين في سنغافورة أمس.

أردوغان يخشى حربا اقتصادية.. ويحذر من مؤامرة

وكانعكاس لاستمرار تراجع قيمة العملة التركية بعد العقوبات الأمريكية، دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال مؤتمر جماهيري، اليوم، في مدينة أرض روم شمال شرق تركيا، الأتراك لاستبدال مدخراتهم من العملة الأجنبية بالليرة التركية، لإنقاذ العملة المحلية من الانهيار الذي تشهده.

وكرر أردوغان دعوته للمواطنين الأتراك بتحويل الدولارات الموجودة “تحت الوسائد” إلى الليرة التركية لدعم الاقتصاد.

وأوضح أردوغان أن تركيا لن تتراجع عن اقتصاد السوق الحر، قائلًا: "أرى أن هناك من يحاولون تركيع بلدنا. مثلما حدث أثناء مظاهرات "حديقة جيزي" في 2013. فإن لوبي الفائدة يستهدف بلدنا. لن تفلح خطواتكم. أنا أوجه كلامي لأخوتي الذين لديهم دولار أو يورو "تحت الوسائد"، أذهبوا وحوّلوا أموالكم إلى الليرة التركية؛ حتى نبطل هذه المؤامرة معًا".

وسجل الدولار الأمريكي رقمًا قياسيًا جديدًا من خلال تجاوز حاجز 5 ليرات تركية للمرة الأولى، وذلك عقب العقوبات التي فرضتها الإدارة الأمريكية على وزيري الداخلية سليمان صويلو ووزير العدل عبد الحميد جول، على خلفية استمرار اعتقال القس الأمريكي أندرو برونسون.

وأعلنت واشنطن الأربعاء، إدراج وزيري العدل والداخلية التركيين، على قائمة العقوبات، نتيجة عدم الإفراج عن القس الأمريكي برانسون الذي تتواصل محاكمته في تركيا.

ووفقًا للقوانين الأمريكية، يتم تجميد الأصول المالية المحتملة بالولايات المتحدة للأشخاص المدرجين في قائمة العقوبات، ويحظر عليهم إقامة علاقات تجارية مع الأمريكيين.

واعتقلت السلطات التركية برانسون في أكتوبر 2016، لاتهامه بمساعدة تنظيم أتباع الداعية التركي المعارض فتح الله جولن الذي تعتبره الحكومة التركية العقل المدبر لمحاولة الانقلاب المزعومة الفاشلة في منتصف يوليو من العام ذاته.

وحبس "برانسون" في 9 ديسمبر/كانون الأول 2016، على خلفية عدة تهم تضمنت ارتكابه جرائم باسم منظمتي "جولن" و"بي ك ك" تحت مظلة رجل دين، وتعاونه معهما رغم علمه المسبق بأهدافهما، قبل أن يصدر قرار قضائي بفرض الإقامة الجبرية عليه.