التيار الصدري .. حسابات تعقد المشهد الانتخابي العراقي
يشكل موقف التيار الصدري من الانتخابات التشريعية المقبلة في العراق إشكالية كبيرة؛ كون موقفه المقاطع ينتقص بشكل أو بآخر من شرعية العملية.
يشكل موقف التيار الصدري من الانتخابات التشريعية المقبلة في العراق إشكالية كبيرة؛ كون موقفه المقاطع ينتقص بشكل أو بآخر من شرعية العملية.
تشهد الأوضاع السياسية في العراق تحولاتٍ مثيرة للجدل مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة الشهر المقبل، التي تكتسب أهمية قصوى في ظل حالة الانسداد السياسي المتكررة والتحديات الأمنية والاقتصادية المتفاقمة، وفي قلب هذه التحولات يقف التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر كلاعب محوري يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة وتأثيراً كبيراً في الشارع الشيعي خصوصاً والعراقي عموماً.
ويظل موقع التيار من الانتخابات القادمة نقطة الارتكاز التي تدور حولها معظم التكهنات والتحليلات والجدليات؛ حيث تتسم مواقف الصدر بالديناميكية المفاجئة والانسحابات المتكررة كأداة ضغط سياسية، لكنه يتمسك بضرورة "الإصلاح الشامل للعملية السياسية من جذورها" حسبما يصرح، وقد أكد مؤخراً دعوته للإطاحة بالوجوه السياسية الحالية الرافضة للإصلاح وتجديد الطبقة السياسية بالكامل.
التيار الصدري وشرعية الانتخابات
بل إن التيار الصدري، الذي حقق الأكثرية في آخر انتخابات قبل أن ينسحب من العملية السياسية ويستقيل نوابه، رهن موقفه من المشاركة بشرطه السابق، ومن ثم فالعراق أمام موقف يضع العملية الانتخابية أمام تحدٍ غير مسبوق؛ لكون مشاركة التيار أو مقاطعته تُعد عاملاً حاسماً في منح الشرعية والتنافسية للانتخابات بدرجة كبيرة؛ إذ أن غيابه قد يقلل من نسبة المشاركة ويزيد من هيمنة "الإطار التنسيقي" والقوى التقليدية الأخرى.
ورغم أن الانتخابات قريبة للغاية، لا يمكن النظر إلى مقاطعة الصدر كقرار نهائي أو مجرد مناورة بقدر ما هي رسالة قوية إلى خصومه مفادها أن الاستمرار في نهج المحاصصة والفساد لن يمر بسلام، وأن التغيير يجب أن يكون جذرياً، وإلا فإنه سيستخدم ورقة الشارع والسلاح السياسي للمقاطعة لزعزعة شرعية نتائج الانتخابات، حسب ما يعلن التيار.
هنا يقول الدكتور غازي فيصل، مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، في تصريح لوكالة فرات للأنباء (ANF)، إن "التيار الصدري قولاً واحداً لن يشارك في الانتخابات أو البرلمان القادم، إلا أنه من الممكن أن يدخل كلاعب مهم في التصويت، والتأثير في اتجاهات التصويت ونتائج الانتخابات، هذا إذا أخذنا في الاعتبار أن التيار الصدري مقرب من مرجعية النجف فيما يخص المطالبة بإصلاحات جذرية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، وكذلك إلغاء المحاصصة الطائفية".
ويرى الخبير السياسي العراقي أن التيار الصدري يشكل قوة ضغط معارضة للإطار التنسيقي المشكل من قوى حليفة لإيران حتى لو لم يشارك في الانتخابات، معتبراً أن الشروط التي يطلقها التيار بشأن مشاركته بها قدر من الواقعية، من ذلك حديثه عن نزع السلاح وغيره، لأن مشاركة فصائل مسلحة أمر لا يستقيم مع دستور البلاد الحالي ولا يتضمن التزاماً بالقانون، كما أنها فصائل حليفة للحرس الثوري الإيراني.
موقف سلبي؟
وهذا النهج الصدري يثير قلق القوى السياسية السنية والكردية أيضاً، التي تعتبر التيار الصدري نقطة توازن ضرورية في المشهد السياسي الشيعي المضطرب. وفي نيسان 2024 أعلن الصدر تغيير اسم التيار إلى "التيار الوطني الشيعي" وهي خطوة يراها المحللون تمهيداً للعودة السياسية ولأغراض الحشد الانتخابي دون أن تعني بالضرورة المشاركة المباشرة بالاسم الجديد وذلك بهدف كسر احتكار "الإطار التنسيقي" للتمثيل الشيعي.
وهو ما يؤكد أن الصدر يُبقي على كافة الخيارات مفتوحة ويحتفظ لنفسه بدور المهندس والمراقب للعملية السياسية ليبقى مصير الانتخابات مرهوناً بالخطوة التالية لزعيم التيار الصدري الذي يدرك أن جمهوره يأتمر بأمره ويستطيع أن يضمن له مكانة سياسية قوية وزنه الجماهيري وتأثيره المذهبي.
وهنا لا يتفق الدكتور محمد صادق إسماعيل، مدير المركز العربي للدراسات السياسية، خلال تصريح هاتفي لوكالة فرات للأنباء (ANF)، مع موقف الصدريين؛ إذ يقول إن "هذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها التيار تعطيل العملية السياسية، وقد شاهدنا العديد من الوقائع على مدار السنوات الماضية – كالاستيلاء على المنطقة الخضراء من أنصاره – التي من شأنها إحداث أثر سلبي".
ويرى الخبير السياسي المصري أن الدولة العراقية وهي تسعى لتحقيق نوع من الاستقرار السياسي، تحتاج إلى الدعم والمساندة من كافة التيارات السياسية، بما في ذلك التيار الصدري الذي لديه جانب كبير من التأييد السياسي من قبل المكون الشيعي، مشيراً إلى أن موقفه من المقاطعة لن يؤدي إلى أية نتائج، إذ أن الأفضل المشاركة من أجل تحقيق الأهداف التي يريدها التيار عبر التفاعلات السياسية، في مرحلة حالية يمكن وصفها بأنها مرحلة بناء الدولة، على حد قوله.
ومؤخراً، عقد التيار الصدري اجتماعاً لمناقشة الموقف بالنسبة للانتخابات، وبحسب مصادر، فإن التيار استقر على مقاطعة الاستحقاق المقبل، إلا أنه وضع خطة بديلة لأي طارئ من شأنه مراجعة الصدر موقفه، بل إن هناك تسريبات وتقارير إعلامية عديدة تتحدث عن إمكانية إرجاء الانتخابات لفترة ما، بهدف إعادة التيار إلى العملية السياسية.