برغم توصيف المرحلة الانتقالية في عمر أي دولة على أنها من أهم المراحل الحرجة التي تساعد على الانتقال من نظام تم إسقاطه إلى نظام جديد يستهدف تلافي أخطاء سابقيه ببناء مؤسسات الدولة وصياغة مستقبل سياسي حاضن للجميع، إلا أن الحكومة الانتقالية في سوريا لا تعي خطورة تلك المرحلة بدليل تعاملها بمنهجية الجهاد القائم على السيطرة والاستحواذ والعنف. ومن بين أخطر الخطوات التي اتخذتها تلك الحكومة، كانت الدعوة إلى تشكيل برلمان جديد عبر انتخابات غير مباشرة، اعتُبرت من قبل كثيرين خطوة رمزية نحو إعادة الحياة السياسية، غير أن هذه الانتخابات شابتها خروقات خطيرة أثارت جدلاً واسعاً حول مدى شرعيتها، وطرحت تساؤلات عميقة بشأن تداعياتها على الاستقرار الداخلي ومستقبل العملية الانتقالية برمتها.
خروقات جوهرية
تجسدت الخروقات التي شابت إجراءات الترشيح والتصويت، في اعتماد آلية انتخاب غير مباشر، حيث يتم اختيار ثلثي أعضاء البرلمان عبر هيئات مناطقية شكلتها لجنة عليا عينها الجولاني، بينما يُعيّن الثلث المتبقي مباشرة من قِبل رئيس السلطة الانتقالية، وهذه الآلية، التي نص عليها الإعلان الدستوري المؤقت، قُوبلت بانتقادات واسعة من منظمات حقوقية وسياسية، اعتبرتها وسيلة للهيمنة على البرلمان وتحويله إلى هيئة تابعة للسلطة التنفيذية، بدلاً من أن يكون ممثلاً حقيقياً للشعب خاصة بعد استبعاد ثلاث محافظات سورية من العملية الانتخابية بحجة عدم توفر الظروف الأمنية، وهو ما اعتبره مراقبون تمييزاً سياسياً يكرّس الإقصاء ويضعف تمثيل مكونات أساسية من الشعب السوري، وهذا الاستبعاد يضرب مبدأ الشمولية ويقوّض فكرة التمثيل الوطني المتوازن.
شروط إقصائية للترشح
كما نص المرسوم الانتخابي على شروط صارمة للترشح، من بينها عدم الانتماء للنظام السابق أو الدعوة إلى الانفصال، إضافة إلى شرط الإقامة في الدائرة الانتخابية لمدة خمس سنوات متتالية قبل عام 2011. الأمر الذي تسبب في استبعاد شريحة واسعة من السوريين من دائرة الترشح، خصوصاً المهجرين واللاجئين، ما أدى إلى تقليص التنوع السياسي داخل البرلمان، ولم تُشرك السلطة الانتقالية أي جهات دولية أو محلية مستقلة في الرقابة على العملية الانتخابية، كما لم تُنشر قوائم الناخبين أو نتائج التصويت بشكل تفصيلي، الأمر الذي عزز الشكوك حول نزاهة الانتخابات وأضعف الثقة في نتائجها، كما أظهرت الانتخابات توجهاً واضحاً نحو تكريس سلطة الرئيس الانتقالي، حيث تم تعيين شخصيات محسوبة على الأجهزة الأمنية والسياسية في مواقع حساسة داخل البرلمان، مما أثار مخاوف من إعادة إنتاج نمط الحكم السلطوي تحت غطاء المرحلة الانتقالية.
انعدام المشروعية
نتيجة لهذه الخروقات، بات البرلمان الجديد يفتقر إلى المشروعية الشعبية والسياسية. فبدلاً من أن يكون مؤسسة تمثل إرادة السوريين وتعبّر عن تطلعاتهم، أصبح يُنظر إليه كأداة في يد السلطة الانتقالية لتكريس نفوذها، وهذا الانعدام في المشروعية لا يقتصر على الجانب القانوني، بل يمتد إلى البعد الأخلاقي والسياسي، حيث يشعر كثير من السوريين أن صوتهم قد تم تهميشه، وأن العملية الانتقالية لا تعكس تطلعاتهم الحقيقية، كما أن غياب التعددية داخل البرلمان، نتيجة التعيينات المباشرة والشروط الإقصائية، يضعف دوره الرقابي والتشريعي، ويحول دون قدرته على مساءلة السلطة التنفيذية أو اقتراح سياسات بديلة، كما يتسبب في تداعيات خطيرة على الأوضاع الداخلية بعد استبعاد مناطق معينة ومكونات سياسية واجتماعية من العملية الانتخابية، بما يعمّق الانقسام داخل المجتمع السوري، ويعزز مشاعر التهميش والغُبن، ويؤدي إلى تصاعد التوترات الداخلية وعودة النزاعات المحلية، إلى جانب إضعاف العملية السياسية برمتها، وانسحاب فئات واسعة من المشاركة السياسية، وإعادة إنتاج حالة الفراغ التي كانت سائدة قبل سقوط النظام السابق.

أكد عبد الرحمن ربوع، الكاتب الصحفي والمحلل السياسي السوري، في تصريحات لوكالة فرات للأنباء (ANF)، أنّ "الحكومة الانتقالية، كما يعلم الجميع، ليست لديها أي سلطة أو تواجد في مناطق شمال شرق سوريا أو في السويداء، لذلك فهي غير قادرة على تنظيم أي استحقاق وطني هناك. كما أن السلطات المحلية في تلك المناطق لا تعترف بالحكومة الانتقالية، وما يزال من المبكر الحديث عن وجود للسلطة الانتقالية قبل التوصل إلى اتفاقات بين دمشق والإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا أو المجلس العسكري في السويداء. كذلك، يرتبط غياب ثلاث محافظات عن المشاركة في مجلس الشعب بتأخّر التوصل إلى اتفاق بين القوى المسيطرة، وهي الحكومة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية ومجلس السويداء العسكري، بالإضافة إلى الخلافات بين هذه القوى حول المشاركة في مجلس الشعب، لأن هناك الكثير من الأمور والقضايا التي يجب حلها أولاً قبل اختيار وتعيين أعضاء للمجلس".
استنساخ سياسة الأسد
وأضاف الربوع: "بشكل عام، فإن عملية اختيار النواب أراها محض استنساخ لأسلوب نظام الأسد الهارب، لكنه استنساخ مشوّه ومرتب بطريقة تخالف أبسط معايير المشاركة الشعبية في صناعة القرار وسن القوانين ومراقبة السلطة التنفيذية ومتابعة الخدمات المقدمة للمواطنين. فضلاً عن استبعاد المرأة استبعاداً كاملاً، وبالتأكيد هناك عوار كبير في هذه الانتخابات التي تتم بعيداً عن المشاركة الشعبية ووسط رفض وسخط الكثير من السوريين، حيث تحرص الحكومة الانتقالية على استكمال مؤسسات الدولة لتكون من لون سياسي واجتماعي واحد موالٍ لقيادة المرحلة الانتقالية. والمطلوب الآن ليس بناء مؤسسات من ورق، بل الاستماع للشعب السوري وللحكماء والحكيمات والمختصين والمختصات ورجال ونساء الدولة وأهل الخبرة، وعدم احتكار السلطة لأن السلطة مفسدة وترك كل السلطات بيد شخص واحد يعني تنصيبه دكتاتوراً مدى الحياة دون مراعاة لملايين السوريين الذين يجب إعادتهم إلى وطنهم، ودون مراعاة لملايين السوريين القاطنين في خيام داخل سوريا وخارجها وسط انعدام لأبسط الخدمات الصحية والتعليمية وأبسط مقومات المعيشة من ماء وكهرباء وعلاج ودواء".

وقال منير أديب، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، في تصريح لوكالة فرات للأنباء (ANF)، إن "استمرار السلطة الانتقالية في تجاهل المطالب الشعبية سيؤدي إلى إعادة إنتاج مشاعر الإحباط واليأس، ما قد يدفع البعض إلى اللجوء إلى العنف كوسيلة للتعبير عن رفضهم. والحالة الوحيدة لتجاوز تلك الأزمة هي إجراء مراجعة شاملة للعملية الانتخابية، تبدأ بإلغاء التعيينات المباشرة، وتوسيع قاعدة المشاركة، وإشراك مراقبين مستقلين، وضمان تمثيل كافة المناطق والمكونات. كما يجب إعادة النظر في الشروط الإقصائية، وتبني نظام انتخابي مباشر يضمن الشفافية والمساءلة، وإذا لم تُصحح المسارات، فإن البلاد مهددة بالانزلاق نحو مزيد من الفوضى والانقسام، ما يُقوّض فرص السلام والاستقرار".